أحمد بن علي القلقشندي
303
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مزدوجا ، ولا ( 1 ) تجد لبليغ كلاما محلولا من الازدواج ، وناهيك أن القرآن الكريم الذي هو عنصر البلاغة ومناط الإعجاز مشحون به ، لا تخلو منه سورة من سوره وإن قصرت ، بل ربما وقع السجع في فواصل جميع السورة ، كما في سورة النجم ، واقتربت ، والرحمن وغيرها من السّور . بل ربما وقع في أوساط الآيات ، كقوله تعالى : * ( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ) * ( 2 ) وقوله : * ( لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) * ( 3 ) وقوله : * ( ولَسْتُمْ بِآخِذِيه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه ) * ( 4 ) وما أشبه ذلك . وكذلك وقع في الكثير من كلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كقوله عليه السلام عند قدومه المدينة الشريفة : « أفشوا السّلام ، وأطعموا الطَّعام ، وصلو الأرحام ، وصلَّوا باللَّيل والنّاس نيام ، تدخلوا الجنّة بسلام » . بل ربما صرف صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الكلمة عن موضعها في تصريف اللغة طلبا للمزاوجة كقوله في تعويذه لابن ابنته : « أعيذه من الهامّة والسامّة ، والعين اللَّامّة » وأصلها في اللغة الملمّة لأنها من ألمّ ، فعبر عنها باللامّة لموافقة الهامّة والسامّة ، وكذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للنساء : « انصرفن مأزورات غير مأجورات » والأصل في اللغة أن يقال موزورات أخذا من الوزر ، فعبر بمأزورات لموافقة مأجورات ؛ وعلى ذلك كان يجري كلام العرب في مهمّ كلامهم من الدعاء وغيره كقول بعض الأعراب وقد ذهب السيل بابنه : اللهم إن كنت قد أبليت ، فطالما عافيت . وقول الآخر : اللهم هب لنا حبك ، وأرض عنا خلقك ، ونحو ذلك . وأما ما ورد من أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حين قضى على رجل في الجنين بغرة عبد أو أمة ، فقال الرجل : أأدى من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، ومثل ذلك يطل ( 5 ) ؟ فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « أسجعا كسجع الكهّان » فليس فيه دلالة على كراهة
--> ( 1 ) في الصناعتين : « ولا تكاد » . ( 2 ) الأنعام / 1 . ( 3 ) الأعراف / 100 . ( 4 ) البقرة / 267 . ( 5 ) أدى : من الديّة ، وذلك حق القتيل . يطل : من طلّ دمه إذا أهدره . وفي الصناعتين : 267 « أندي من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح فاستهل ، فمثل ذلك يطل » .